المقاومة أم الفرار: استجابة المنظمات الحقوقية المصرية لحملات القمع

في الأعوام القليلة الماضية، شنت الحكومة المصرية حملات قمع غير مسبوقة ضد منظمات المجتمع المدني، ولم تدع أمامهم إلا ثلاثة خيارات لا رابع لهم إما الفرار أو التكيف مع الوضع أو التجمد.


By: Khaled Mansour
June 23, 2018

Available in:
English | Español


Photo:EPA/KHALED ELFIQI

Most of the organizations which remained in Egypt after 2013 had to cut staff and reconfigure or decrease activities.


 

في الفترة من 2014 إلى 2018، شنت الحكومة المصرية حملات قمع غير مسبوقة على منظمات المجتمع المدني. وعلى النقيض من تحسب الأنظمة الحكومية المصرية السابقة لرد فعل المجتمع الدولي وعدم المجازفة بسمعتها دوليًا وخاصة قبل ثورة يناير 2011، والذي أدى بها على الأقل إلى المحافظة بصورة شكلية على مظاهر الحرية متمثلة في حرية تكوين الجمعيات، لا يبدو النظام الراهن مهتما بهذه الحسابات. ووفقا لتقارير منظمات حقوقية وقعت أفظع جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان في التاريخ المصري الحديث في يوم واحد في ظل ممارسات دون حساب، حيث قُتل نحو ألف متظاهر في يوم واحد في عام 2013 بينما سُجن واعتُقل عشرات الآلاف لسنوات دون محاكمة أو قيد الحبس الاحتياطي.

ومن بين الأدوات المستخدمة ضد منظمات المجتمع المدني ترسانة قوانين وتشريعات مقيدة وحملات إساءة وتشويه للسمعة وفرض الرقابة على وسائل الإعلام ورفع قضايا تتهم المدافعين عن حقوق الإنسان  بتأسيس منظمات غير قانونية وانتهاك الأمن القومي والتهرب من الضرائب. وضيقت الحكومة الخناق على العاملين بمجال حقوق الإنسان وشيطنتهم وسائل أعلام تدافع عن الحكومة متهمة إياهم بالخيانة والعمالة للخارج. وقيدت إجراءات قضائية وامنية تحركاتهم وانتقالاتهم وقلصت بشدة مصادر تمويلهم (خاصة قنوات التمويل الأجنبية).

فرض القيود على التمويل الأجنبي: حجج الشرعية

تستخدم الحكومة المصرية قوانين بعض نصوصها غامض وفضفاض تسمح لها بسيطرة واسعة على الفاعلين في المجتمع المدني. وكان أحدث هذه الأدوات القانون 70 الذي تم إصداره عام 2017 والذي حل محل تشريع مشابه في قيوده. ونص القانون على أن التمويل الأجنبي المقدم للمنظمات غير الحكومية لابد وأن يحصل قبل اقراره على موافقة لجنة حكومية تسيطر عليها أجهزة أمنية. وفي حالة إدانة منظمة أهلية لانتهاك هذا القانون، قد يُصدر على عاملين بها حكماً بالسجن لمدد قد تصل إلى خمس سنوات.

وفي أحد الدعاوي القضائية التي بدأت باقتحام القوات الأمنية لخمس منظمات غير حكومية في ديسمبر 2011، ظهرت الطبيعة المعقدة لهذا القمع المقنن والمتعدد الاوجه، حيث أُدين 43 فرداً بعد عامين من التحقيقات والمحاكمات بتهمة تأسيس وإدارة فروع لمنظمات دولية وتلقي تمويل أجنبي دون الحصول على تصريح. واتهمت حملة إعلامية موسعة المُدعي عليهم بالتآمر "ضد الاستقرار القومي"، على الرغم من أن الاتهامات المذكورة لم تزد عن كونها مخالفات إدارية. وفُتحت القضية في 2016 مجددًا لتركز على منظمات محلية. وفي إطار هذه التحقيقات مُنع نحو 30 مدافعًا ومدافعة عن حقوق الإنسان من مغادرة البلاد، وجُمدت الأصول المالية لعدد من المدافعين ولسبع منظمات حقوقية، وتعرض عشرات من المدافعين للتحقيق القضائي ووُجهت اتهامات لعدد منهم جرى إطلاق سراح بعضهم بكفالات وصلت قيمتها إلى 1700 دولاراً (نحو ثلاثين ألف جنيه). وكان آخر تلك التحقيقات المفتوحة في يونيو2018.

ولا جدل كبير على الصعيد الشكلي في حق الدول ذات السيادة أن تعمل للتأكد من أن القوى المحلية وحدها هي العامل المباشر في تشكيل ودفع التطورات السياسية داخل البلاد، وضمان أن التدفقات المالية الخارجية لا تدعم او تساند تحولات سياسية أو تساهم في أعمال غير قانونية. ولذا، من المفترض أن تظل للدولة اليد العليا وأن تواصل المراقبة والإشراف على العلاقات والمعاملات المالية المتعلقة بتلك التمويلات التي تُجرى بين أطراف محلية ومانحين أو ممولين أجانب. ويحمل التمويل الأجنبي في طياته مخاطر الزبائنية التي تقوض من طبيعة منظمات المجتمع المدني وتعيد ترتيب أولوياته. ولكن، هذه القوانين ومثيلاتها تم إساءة استعمالها على نطاق واسع من قِبل دول ونظم استبدادية تجعل من جمع التبرعات والاشتراكات على النطاق المحلي أمراً عسيراً، وتحول التمويل الأجنبي لعملية صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة لمنظمات المجتمع المدني. وفي المواجهة سجلت عدة منظمات مصرية نفسها كشركات منذ التسعينيات وبعدها لتجنب سلسلة قيود عصيبة في قوانين تنظيم عمل الجمعيات والتنظيمات الأهلية مما يثير بعض التساؤلات حول الشفافية والمساءلة. وبينما زاد الضغط والتعنت الحكومي في السنوات الخمس الماضية، تراجع عدد من المانحين الخارجيين وقلصوا أو أوقفوا التمويل لانشطة حقوق الإنسان بسبب المناخ القانوني غير المواتي والمُكبل.  

مرونة المنظمات غير الحكومية وطور الموائمة

واضطرت معظم المنظمات التي ظلت في مصر بعد 2013 إلى تقليص عدد العاملين وإعادة تشكيل أو تحديد نشاطاتها. فعلى سبيل المثال علقت نظرة للدراسات النسوية أنشطتها بينما تقلصت انشطة مؤسسة قضايا المرأة المصرية ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب بسبب إجراءات حكومية إدارية وقانونية في الأغلب. ونقل مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان CIHRS جميع أنشطته تقريبًا إلى مقره الإقليمي بتونس. أما باقي المنظمات المستقلة المتبقية، مثل مؤسسة حرية الفكر والتعبير (AFTE) والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (ANHRI) فتتركز معظم أنشطتها بشكل كبير في القاهرة فقط ولكنهم استمروا في العمل وإصدار تقارير نقدية والمشاركة في عدد من أشكال المناصرة وتوفير المساعدة القانونية.

وتتنوع آليات التأقلم والمقاومة ولكن يمكن تقسيمها إلى: أ) التكيف وب) رفع الكلفة السياسية وج) بناء التحالفات ود) بناء دوائر المناصرة.

وتضم آليات التكيف تقليص وإعادة تصميم الأنشطة والسماح لطاقم العمل بالعمل بشكل جزئي في وظائف أخرى موازية لتأمين مصادر دخل شخصية واستغلال مواقع التواصل الاجتماعي لوضع استراتيجيات مبتكرة للتواصل. وفي مجال رفع الكلفة السياسية ينشط فاعلون ومنظمات في اعمال مناصرة دولية في عواصم غربية أو داخل منظمات حكومية متعددة الأطراف ومن خلال وسائل إعلام دولية أو على مواقع تواصل اجتماعي وعلى مواقع خاصة بهم على الانترنت. أما بناء التحالفات مع منظمات شبيهة فهو ربما من أكثر الآليات فاعلية فيما يخص منظمات حقوق الإنسان المصرية على الصعيدين الإقليمي والدولي. وأخيراً، حاولت بعض منظمات حقوق الإنسان المصرية إطلاق مبادرات لبناء دوائر مناصرة وخلق شبكات متطوعين وإيجاد قاعدة تمويل محلي.

ويبدو أن التكيف هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً وفاعلية وتبنيًا من بين الاستراتيجيات الأخرى، خاصة مع المنظمات التي استمرت في عملها بداخل البلاد. وربما أسهم رفع الكلفة السياسية من خلال المناصرة الدولية بالفعل في حماية عدد من المدافعين الرائدين عن حقوق الإنسان من اجراءات أكثر ضررًا أو أثنى الحكومة عن حبس واعتقال عدد أكبر من بينهم، ولكن كاستراتيجية لم تسفر عن أي تغيير ملموس في هذا الوضع المزرى من الإساءات المعتمدة والموجهة لفاعلي حقوق الإنسان. فقد باتت السياسة الدولية وكبار الدول اللاعبة في هذا المجال تميل أكثر نحو اليمين السياسي وتعنى أكثر بقضايا وقف الهجرة القسرية وتقليل اللجوء وتطبيق سياسات أمنية من شأنها محاربة التطرف العنيف والعمال الإرهابية بغض النظر عن الأثر السلبي متوسط الى طويل المدى لمعظم السياسات السائدة حاليًا فيهذه المجالات كونها تتعامل ربما قصرًا مع الأعراض فقط لهذه الظواهر المعقدة والخطيرة، وينجم عن بعضها انتهاكات أوسع وأعمق لحقوق الإنسان قد تزيد بدورها من حدة المواجهات وردود الفعل العنيفة. أما عن بناء دوائر المناصرة المحلية – فبالرغم من أنها استراتيجية واعدة ولها ثمار طويلة الأمد هي الأعمق أثراً من بين باقي الاستراتيجيات، من خلال تحويل الحركة المعاصرة بشكل كبير القائمة على نطاق ضيق إلى قوة محلية اجتماعية سياسية – فهي لم تنجح حتى الآن في شق أي مسار لها.

يقف المنافحون عن حقوق الانسان الآن ليس فقط في مواجهة نظام قمعي ولكن أيضا في وجه قطاع ليس بالضئيل من الشعب يساند هذه الاجراءات القمعية. ولم يعد أمام حركة حقوق الانسان من حلول سهلة أو آليات نضال سريعة التأثير. وربما صار من الأيسر على كثيرين من المهتمين بهذا المجال الانكباب على الدراسات والتنظير لفهم كيف وصلنا الى هنا عوضًا عن القيام بأفعال وخطوات حقيقية على أرض الواقع. ولكن ما زال المسار الوحيد الممكن والمجدي للعاملين في مجال حقوق الإنسان والمدافعين عنها هو الاستمرار، حتى وإن ثقلت خطاهم في توسيع دوائر المناصرة والعمل مع أصحاب الحقوق، بدلاً من العمل نيابة عنهم. فعمل حقوق الإنسان لا يمكن أن يصبح راسخاً وأن تتقدم سياسات الإصلاح وتغيير العادات والسلوكيات والممارسات بدون مناصرة شعبية واسعة تدفع بقوة نحو التغيير. بيّد أن من السهل قول هذا ولكن تنفيذه على الأرض يصير أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.

 


خالد منصور كاتب وخبير في مجال الاتصالات وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية والتنمية وفض النزاعات. عمل صحفياً وشغل عدة مناصب في منظمة الأمم المتحدة على مدار 24 عاماً، عقبها شغله لمنصب المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في عامي 2013 و2014.


 

COMMENTS