خارج المحاكم - حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

إن الطبيعة المتداخلة والمترابطة لحقوق الإنسان تشير إلى أن الجهود المبذولة لحماية بعض الحقوق فقط في القانون هي جهود مضللة. السبب في تقنين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليس فقط لجعلها خاضعة للتقاضي في المحكمة؛ ولكن أيضاً لخلق الزخم السياسي والمجتمعي لجعل الحقوق واقعاً ملموساً.


By: Irene Khan  & David Petrasek
September 22, 2014

Available in:
English | Français | Español


هل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هي مجرد حقوق "هلامية"، مبهمة جداً حتى أنه يصعب تحديدها في القوانين أو الدساتير؟ نعم، قد يتفق الكثيرون مع هذا الرأي. عندما يقوم أحد رجال الشرطة بتعذيب سجين سياسي، يمكن توجيه اللوم إلى الدولة بسهولة، ولكن عندما تموت طفلة بسبب أن والديها فقيران جداً حتى أنهما لا يستطيعان توفير الطعام لها، في هذه الحالة من هو المسؤول؟ الحقوق تقتضي ضمناً الواجبات، وحتى تكون ذات معنى لا بد من تأديتها. بلدان نامية كثيرة لا تملك ببساطة الموارد اللازمة لتوفير الغذاء وخدمات التعليم والصحة لجميع المواطنين الذين يحتاجون إليها. وبالتالي، ما هو الهدف في تحويل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى استحقاقات قانونية متينة، ومطالبة المحاكم بإنفاذها؟

نحن نعارض هذا الرأي لسببين. أولاً، من منظور التنمية، الرأي القائل بأن بعض الحقوق هي جديرة بالاهتمام أكثر وتستحق الحماية القانونية أكثر من غيرها ببساطة هو رأي غير منطقي. وثانياً، توفير الحماية القانونية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية له تأثير بعيداً عن المحاكم بكثير.

تقسيم الحقوق إلى فئات–مدنية وسياسية أو اقتصادية واجتماعية– لا يخدم أي هدف مفيد في مكافحة الفقر. عند الاعتراف بحق أرملة أفريقية في امتلاك الأرض،  عن أي نوع من الحقوق نتحدث ؟ هل هو حق مدني، لأنه يتناول التمييز؟ أم هل هو حق اقتصادي، لأنه يتعلق بملكية عقارية؟ أم هل هو حق اجتماعي، لأن الأرض تضمن ؟حق المرأة في إطعام نفسها وأسرتها


Rajput Yasir/Demotix (All rights reserved)

Residents protest slum dwelling demolition drive in Kotri, Pakistan.


عندما تقوم أي امرأة أفغانيةبالفرار من العنف في منزلها، فإنها تريد العدالة ولكنها أيضاً تريد مكاناً آمناً لتعيش فيه، وتريد الرعاية الطبية لتضميد جراحها، وتريد عملاً يحفظها في المستقبل.  إضعاف حق المطالبة بأي من هذه الحقوق يضعف حق المطالبة ببقية الحقوق.

تجربة حياة الفقراء تدل على أن الحرية لا تنفصل عن التعليم والتغذية؛ التعليم والتغذية من الرزق؛ والرزق من الحياة والحرية.

الواقع هو أن الحقوق إلى حد ما مثل البيض. اكسرها لتفتحها، وسوف تتدفق الحقوق وتلتحم وتنتشر حول الأفراد والمجتمعات مثل البروتين الاجتماعي: وهي جيدة بالنسبة لك بكل أنواع الطرق. وغالباً لا يمكن معرفة أين ينتهي أحد الحقوق ويبدأ الحق الذي يليه، وبالتالي فمن الصعب فصل بعض الحقوق فقط للحماية القانونية.

وقد جادل المشاركون السابقون في هذا النقاش بقوة لتأييد ومعارضة تقنين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مستندين في حججهم على الإنفاذ القضائي–أي على استصواب وجدوى المحاكم التي تفصل في الدعاوى في مسائل التعليم أو الرعاية الصحية أو الضمان الاجتماعي أو الإسكان. هل يجب أن تمنحك القوانين والدساتير الحق في رفع دعوى قضائية ضد حكومتك للحصول، على سبيل المثال، على المياه النظيفة أو التعليم؟ نعم، كما يقول أحد المعسكرين: حكم قضائي يعطي الفقراء شيئاً يلوحون به في وجه السلطات. لا، كما يقول المعسكر الآخر: هذا غير عملي، ويؤدي إلى نتائج عكسية، وربما يؤدي فقط إلى تحويل الموارد الشحيحة للدولة إلى الصخب والتقاضي بدلاً من الضعفاء والمحتاجين.

بالنسبة لنا، هذا التحليل الفقهي المحض يغفل الغرض . بالطبع، المحاكم لها دور تؤديه في حث الحكومات المعاندة، على الرغم من أنه من الجدير بالذكر أنه في بلدان نامية كثيرة غالباً ما تكون المحاكم بطيئة ومكلفة عند اللجوء إليها، أو تفتقر إلى الاستقلال في فرض القرارات التي تحيل السلطات للمساءلة.

ولكن السبب في تقنين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليس فقط لجعلها خاضعة للتقاضي في المحكمة؛ ولكن أيضاً لخلق الزخم السياسي والمجتمعي لجعل الحقوق واقعاً ملموساً.

السبب في تقنين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليس فقط لجعلها خاضعة للتقاضي في المحكمة؛ ولكن أيضاً لخلق الزخم السياسي والمجتمعي لجعل الحقوق واقعاً ملموساً.

تقنين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يضفي صبغة رسمية على المثل العليا التقدمية؛ فهو يبني الشرعية السياسية التي تقف وراء هذه الحقوق؛ وهو يخلق أفقاً للتطلعات المجتمعية. عندما ترتقي الاحتياجات الأساسية للحياة بكرامة –الإسكان والتعليم والرعاية الصحية الأساسية– إلى منزلة الاستحقاقات القانونية، فستكون لديها القدرة على تغيير الخطاب السياسي واتخاذ القرارات بشأن تخصيص الموارد. صناع القرار السياسي ملزمون بوضع الحقوق القانونية في اعتبارهم عند وضع وتنفيذ خطط التنمية. يواجه المشرعون صعوبة في تجاهل الالتزامات المنصوص عليها في القانون– أو أنهم يقومون بذلك مخاطرين، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية حيث غالباً ما يكون للناخبين الغاضبين وزن وتأثير أكبر من أي قاض عالم.

دمج الحقوق في القانون ينتج عنه بيئة مواتية للتغيير، ويوفر إطاراً لتدخلات ناجحة. وقد بين برنامج قانون الصحة للمنظمة الدولية لقانون التنمية (IDLO) أنه من أجل مكافحة التمييز وضمان الحصول على العلاج الطبي، لا بد من النص في القانون الوطني على الحق في الصحة، وتنفيذه مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للخطر. وعلاوة على ذلك، ففي الوقت الذي ينمو فيه خطر الأمراض غير المعدية، فإن البلدان التي لديها قوانين الصحة ضعيفة أو غير كافية ولا تشير إلى التزامات حقوق الإنسان تجد نفسها في وضع غير مؤات لا يستهان به ضد انتشار التبغ والكحول والصناعات الغذائية. وغني عن القول، أنه يوجد أيضاً أدلة على أن الحكومات في البلدان ذات القوانين الصحية القوية هي الأكثر ترجيحاً للاستثمار في القطاع الصحي، والذي بدوره يؤتي ثماره في تحقيق أرباح اجتماعية واقتصادية أعلى.

يمكن للقوانين أن تكون طليعة للتغيير، تقود المواقف الشائعة والتحولات السياسة. صحيح، يوجد الكثير من الأدلة على أن القوانين وحدها لا تقضي على التمييز العنصري أو عدم المساواة بين الجنسين. ولكن من الصعب العثور على أي بلد في العالم عالج بنجاح التمييز المتأصل بدون أي إجراء إصلاح دستوري أو قانوني.

بالنسبة للأفراد والمجتمعات الذين يعيشون في فقر، إعادة صياغة افتقارهم إلى التعليم أو الرعاية الصحية أو الإسكان أو المياه النظيفة على أنه ليس بسبب فشل سياسة الحكومة ولكن  بسبب إنكار حقوقهم هو عامل محرك. عندما تتأكد هذه الحقوق بموجب القانون، إلى جانب برامج قانونية لمحو الأمية والتمكين ويدعمها مجتمع مدني نشط وفعال، فإنها تصبح قوة كبيرة تؤدي إلى التغيير. وقد أظهرت أبحاث المنظمة الدولية لقانون التنمية (IDLO)أن هذا الأسلوب –من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، والجمع بين التمكين الشعبي مع الحماية الدستورية والقانونية لحقوق الإنسان– له أهمية خاصة للنساء اللاتي، في أكثر الأحيان، يضطررن إلى اللجوء إلى جهات غير رسمية في مجتمعاتهن للتظلم والحصول على حقوقهن.

استراتيجيات التمكين القانونية لا تتعلق فقط بالتقاضي، على الرغم من أن هذا قد يكون عنصراً هاماً. فهي في كثير من الأحيان تتعلق بمساعدة الفقراء على اكتساب المعرفة والأدوات اللازمة للتعامل مع أولئك الذين ينفذون في الواقع القوانين التي تؤثر على حياتهم اليومية –على سبيل المثال لا الحصر مكاتب تسجيل الأراضي، الوكالات الحكومية المحلية، خطط الإغاثة الريفية– وذلك حتى يتمكنوا من حماية ممتلكاتهم، ومحاربة التمييز وتلقي الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأخرى التي يحق لهم الحصول عليها والمشاركة في صنع القرار في المجتمع والحكومة الذي يؤثر مصيرياً على حياتهم وسبل معيشتهم.

عندما يتم تقنين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية،  فليس من المرجح أن يكون أثره الأعظم في التقاضي، ولكن سيكون في المجالات السياسية والسياسات؛ ولن يكون في مزيد من الإجراءات البيروقراطية الحكومية، ولكن في توفير متسع لمبادرات التنمية؛ ولن يكون في المحاكم ولكن في المجتمعات وحياة الناس.

 

 


آيرين خان هي  المديرة العامة للمنظمة الدولية لقانون التنمية (IDLO)، منذ عام 2011، وقد شغلت منصب الأمين العام لمنظمة العفو الدولية  خلال 2001-2009.
 

ديفيد بيتراسيك هو أستاذ مُساعد في قسم الشؤون العامة والدولية (دراسات عليا) في جامعة أوتاوا، ومُحرر أول في "أوبن غلوبال رايتس".

 


 

COMMENTS