كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الحريات المدنية؟

يجب على المجتمع المدني أن يُحسّن من معرفته بالذكاء الاصطناعي، واستخدامه له، من أجل الحدّ من استغلال الحريات المدنية، ومن أجل حمايتها وتعزيزها. 


By: Zach Lampell & Lily Liu
December 18, 2018

Available in:
English | 简体中文



الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، ليس فقط بالنسبة إلى روسيا، بل للإنسانية جمعاء. من سيقود هذا المجال سيحكم العالم". – فلاديمير بوتين

مستقبل الديمقراطية مرتبط كل الارتباط بمستقبل الذكاء الاصطناعي. إذن فكيفية قيام الأطراف الدولية والقُطرية والفاعلين من الأفراد بالتعامل مع تطورات تقنية الذكاء الاصطناعي وسياساتها ستؤثر على مدى تقييد الذكاء الاصطناعي للحريات المدنية أو تعزيزه لها. إننا نسمع عن ذلك الوعد بأن "الذكاء الاصطناعي سيكون لصالح الخير" لكن في الوقت الحالي يُستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر في تقويض الحريات المدنية، عن طريق تقييد حرية التعبير وحرية التجمع وحرية تكوين الجمعيات والتنظيم.

فالصين على سبيل المثال تقيد حرية التعبير باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث عن كتابات مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع التي تدعم حركة #أنا_أيضا وتحجبها. وبالمثل، ففي عدة دول – منها قطر والكويت – يُستخدم تطبيق "Netsweeper" الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث عن وحجب المحتوى المتصل بمجتمع الميم.

وفيما يخص حرية التجمع، فإن الأعمال الشرطية التنبؤية تسمح للشرطة باعتراض المظاهرات السلمية من قبل أن تبدأ. وعندما تحدث المظاهرات، تُمكّن تقنيات التعرف على الوجوه الشرطة من التعرف على المتظاهرين؛ ما يؤدي إلى احتجازهم واستجوابهم.

وتستخدم الحكومات تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي في معالجة كميات كبيرة من المعلومات حول منظمات المجتمع المدني والأفراد المتقدمين بطلبات تسجيل منظمات. ويمكن للحكومات استخدام تلك المعلومات في الحد من حرية تكوين الجمعيات، عن طريق التعسف في منح ومنع التسجيل بناء على بعض السمات، مثل الانتماءات السياسية أو الدينية. ويمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي في تقويض أعمال منظمات المجتمع المدني عن طريق حجب مواقع المجموعات المعارضة والمنظمات الحقوقية. في البحرين على سبيل المثال تم حجب موقع المركز البحريني لحقوق الإنسان في عام 2013 بعد نشره لتقرير يربط بعض كبار المسؤولين الحكوميين بـ "فضيحة بندرجيت" ويتصل بمحاولات للتأثير على نتائج الانتخابات البرلمانية.

للذكاء الاصطناعي القدرة على حماية الفضاء المدني

بينما من الممكن أن يكون للذكاء الاصطناعي دور إيجابي في حماية الفضاء المدني، فإن دور المجتمع المدني الحالي في تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي هو دور محدود. وللتصدي لهذه المشكلات المذكورة، يقوم المركز الدولي للقانون غير الهادف للربح (ICNL) بإعداد مبادرة لضمان أن يكون تعزيز الحريات المدنية من الاعتبارات الأساسية في تطوير تقنيات وسياسات الذكاء الاصطناعي. تشمل المبادرة: (1) إعداد معايير دولية؛ (2) تحسين السياسات والقوانين المحلية؛ (3) تحسين المعرفة بالذكاء الاصطناعي؛ (4) استخدام الذكاء الاصطناعي في الخير.

إعداد معايير دولية

تشير خبراتنا إلى أن المعايير الدولية والممارسات الفضلى قادرة على توفير الإرشاد لصناع السياسات المحليين على مسار تطوير سياسات الذكاء الاصطناعي القادرة على حماية وتعزيز الحريات المدنية. وهناك العديد من المبادرات الحالية لتطوير المعايير المتصلة بقضايا الذكاء الاصطناعي، من تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة ديفيد كاي الأخير إلى إعلان تورنتو. على الأمم المتحدة والمبادرات الدولية الأخرى متعددة الأطراف – مثل تحالف فريدوم أونلاين ومنتدى حوكمة الإنترنت – أن تستمر في دعم تطوير المعايير الدولية المتصلة بالقضايا الرقمية، وتشمل الذكاء الاصطناعي، بحيث لا تُستخدم هذه التقنيات في تقييد الحريات المدنية. وعلى الأمم المتحدة أيضًا أن تحسّن من قدرات مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بحيث يقدم المساعدة والدعم للمقررين الخاصين فيما يخص قضايا الذكاء الاصطناعي والقضايا الأخرى المتصلة بالتقنية الرقمية. كما يجب على جميع المبادرات – سواء كانت متصلة بالأمم المتحدة أو غير متصلة بها – أن تعلي أولوية التواصل مع المجتمع المدني ومع الجمهور، مع التركيز تحديدًا على الفئات المهمشة.

السياسات والقوانين القُطرية والمحلية المتصلة بالذكاء الاصطناعي

قامت كل من كندا والمكسيك والهند وفنلندا وأستراليا ودول أخرى عديدة بإعداد – أو هي حاليًا تقوم بإعداد – استراتيجيات وطنية معنية بالذكاء الاصطناعي. تنظر هذه الاستراتيجيات – من بين جملة أمور – في أنواع مشروعات الذكاء الاصطناعي التي سيتم تطويرها وتنفيذها، والموارد المخصصة للذكاء الاصطناعي وبعض الاستراتيجيات – ومنها مشروع قانون مُقترح في الولايات المتحدة – ستربط الذكاء الاصطناعي بالأمن القومي وبالدفاع دون مراعاة كافية لقضايا أساسية بمجال حقوق الإنسان، مثل حماية وتعزيز الحريات المدنية. ويُمكن أن يؤدي إهمال قضايا حقوق الإنسان في سياسات الذكاء الاصطناعي الوطنية إلى سياسات تركز على التطوير السريع لتقنية الذكاء الاصطناعي في قطاع واحد (مثل القطاع العسكري) مع الإخفاق في تخصيص موارد ومحفزات كافية على مسار تعزيز الذكاء الاصطناعي للفاعلين الآخرين في الفضاء المدني. يجب على الدول مشاورة المجتمع المدني لضمان أن تؤدي سياسات الذكاء الاصطناعي الوطنية إلى بيئة تمكّن من الحياة المدنية المزدهرة.

وعلى المستوى المحلي فهناك بلديات مثل بلدية مدينة نيويورك ومدينة سانتا كلارا ومدينة سياتل اعتمدت تعميمات تشمل الإشراف المدني لدى نشر نظم الذكاء الاصطناعي وتعميمها. هذه التعميمات تسمح للجمهور – عبر المسؤولين المنتخبين أو اللجان الحكومية – بمعرفة أين يُستخدم الذكاء الاصطناعي وما آثاره، وفي بعض الحالات تتيح تقديم توصيات حول استخدامه. دون الإشراف المدني، تصبح الشفافية المتحققة جراء قوانين الوصول إلى المعلومات في خطر؛ إذ تصبح الخوارزميات التي ينهض عليها الذكاء الاصطناعي في يد فئة معينة حصرًا ومن ثم لا تخضع للرقابة العامة. ويجب أيضًا أن تقوم القوانين والأنظمة بالمجالات ذات الصلة، مثل حماية البيانات وقوانين وأنظمة المشتريات العامة ومناهضة التمييز ونظم جلسات الاستماع العمومية، يجب أن تقوم بإعادة فحص وفرض قواعد للمساءلة بخصوص الذكاء الاصطناعي.

تحسين المعرفة بالذكاء الاصطناعي

كثيرًا ما يخبرنا شركاؤنا من المجتمع المدني بأنهم لا يعرفون الذكاء الاصطناعي بالقدر الكافي للحديث مع صناع السياسات بشأنه. وهذا رغم أن هناك العديد من المؤتمرات الدولية لمنظمات المجتمع المدني حول الذكاء الاصطناعي والحقوق الرقمية، وورش عمل، يسهل على قادة الحركات الشعبية الوصول إليها لتساعدهم في فهم ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل وكيف يؤثر على عملهم. على سبيل المثال فإن الدورات التعليمية التي قدمها المركز الدولي للقانون غير الهادف للربح في مجالات أخرى سمحت لنشطاء المجتمع المدني بالتواصل بشكل بناء بشأن تلك القضايا الأخرى، ومنها تشريعات جرائم التقنية وتشريعات مكافحة الإرهاب. وما إن يفهم قادة المجتمع المدني عالم الذكاء الاصطناعي، فسوف يصبحون قادرين على المشاركة في وضع سياسات الذكاء الاصطناعي التي تعزز من وضع الفضاء المدني، وسوف يفهمون كيف يستفيدون من الذكاء الاصطناعي في أنشطتهم.

كما أن من شأن إنشاء هيئات مستقلة لمساعدة المشرعين، مساعدة صناع السياسات على اتخاذ قرارات عن علم وبينة حول سياسات الذكاء الاصطناعي، وتكلفتها النقدية وآثارها الاجتماعية. مثل المكتب البرلماني للعلوم والتكنولوجيا أو مكاتب الميزانيات المستقلة في الولايات المتحدة والسويد وأستراليا، فإن هذه الوحدات الجديدة ستساعد في عمل التحليلات المستقلة حول تقنيات وسياسات الذكاء الاصطناعي وسوف تقدم توصيات بناء على التكاليف والمزايا الحقيقية المتصلة بالحكومات والمجتمع والمجتمعات المحلية وحقوق الإنسان.

استخدام الذكاء الاصطناعي في الخير

يجب على منظمات المجتمع المدني والمعنيون بالتكنولوجيا إجراء مناقشات أكثر حول كيف يمكن لمنظمات المجتمع المدني الانتفاع بالذكاء الاصطناعي في الخير. إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي على مستوى العمل لتنسيق الأعمال الداخلية، ويمكن استخدامه أيضًا في تحسين وتسريع عجلة الخدمات المقدمة للجمهور. على سبيل المثال هناك منظمة مجتمع مدني روسية طورت برمجية (بوت) تقدم المساعدة القانونية الآنية للمتظاهرين. كما يمكن للمانحين استخدام برمجيات تقدم المشورة (robo-advisors) في تحديد المشروعات التي ستقدم المنح إليها، ولن تمضي فترة طويلة قبل أن يبدأ الناس في استخدام برمجيات مثل Siri وAlexa وغيرها من البرمجيات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، من نوعية "المُساعد الشخصي"، في عمل التبرعات للمؤسسات الخيرية المفضلة لهؤلاء الأفراد.

لكن حتى يتحقق هذا التقدم المأمول، فمنظمات المجتمع المدني تحتاج إلى حيازة القدرة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي تقنيات باهظة التكلفة. هناك عدة شركات تقوم بالفعل بمساعدة المجتمع المدني في استخدام الذكاء الاصطناعي، مثل ميكروسوفت وغوغل وآي بي إم وشركات أخرى، لكن الحقيقة أن ليس لدى منظمات المجتمع المدني موارد كافية تستثمرها في التقنيات الجديدة. نحن بحاجة إلى سبل إضافية لإتاحة الخبرات قليلة الكلفة والمجانية لمنظمات المجتمع المدني فيما يخص الذكاء الاصطناعي، وربما يتحقق هذا عبر نقل المعرفة المدعومة الكلفة من قِبل الحكومات، أو عن طريق مبادرة يعمل بموجبها موظفون بمجال التقنية في منظمات المجتمع المدني لعدة أسابيع. مثل هذه التبادلات تتيح تنمية معرفة المنظمات بالذكاء الاصطناعي، مع تسليط الضوء على الثغرات المجهولة إلى الآن، التي ستظهر عند اعتماد التقنيات الجديدة.

لقد بدأ السباق

نحن في مرحلة مفصلية؛ فالذكاء الاصطناعي يتطور سريعًا، لكن قدرته على تعزيز الحريات المدنية بدأت تظهر بالكاد. من المهم للمجتمع المدني أن يتعامل على المستويات العالمي والقُطري والمحلي والتنظيمي لضمان ألا يتخلف أحد – بما يشمل الفئات المهمشة والأفراد المهمشين – عن ركب هذا العهد الجديد. إن الذكاء الاصطناعي أداة قوية يجب تطويرها بحرص وتنظيمها بما يحدّ من الاستغلال، وبما يؤدي إلى تمكين المجتمع المدني.

 


 يدير زاك لامبل برنامج حرية التعبير العالمي في المركز الدولي للقانون غير الهادف للربح (ICNL) ويُركز على حماية وتعزيز حرية التعبير عبر الإنترنت، فضلًا عن الحقوق الرقمية المؤثرة على المجتمع المدني. كما يتولى زاك تطوير برامج المركز ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي.

تُعنى ليلي ليو بقضايا وموضوعات الفضاء المدني في المركز الدولي للقانون غير الهادف للربح (ICNL)، وتشمل حماية وتعزيز الحريات المدنية في المناطق المختلفة.


 

COMMENTS