حقوق الإنسان في اللغة العامية

تدرك منظمات حقوق الإنسان الغربية الحاجة للتعاون الوثيق مع هؤلاء الموجودين في الجنوب. ويبدو الطريق لاكتساب حقوق إنسان أكبر لدى القوى الناشئة مليء بالصعوبات، ولكن قد يؤدي لنهج أكثر واقعية وأقل مثالية.


By: Jack Snyder
June 19, 2013

Available in:
English | Español


Bangladeshi women
Bangladeshi women take part in a rally in Dhaka to campaign for women's rights. Demotix/Shafiqul Alam. All rights reserved.

ملخص: تدرك منظمات حقوق الإنسان الغربية الحاجة للتعاون الوثيق مع هؤلاء الموجودين في الجنوب. ويبدو الطريق لاكتساب حقوق إنسان أكبر لدى القوى الناشئة مليء بالصعوبات، ولكن قد يؤدي لنهج أكثر واقعية وأقل مثالية.

إن قرار جورج سوروس في عام 2010 بتمويل إنشاء مراكز لمنظمة هيومن رايتس واتش الإقليمية يعكس النظرة السائدة بضرورة مشاركة "القوى الناشئة" لبعض حقوق الإنسان، إن كانت هذه المؤسسة تسعى لاكتساب القوة في العالم النامي. ولكنه من غير الواضح ما هو الثمن الذي سيدفعه سوروس لو أراد لهذه المنظمة أن تلعب دوراً هاماً في حركة حقوق الانسان، ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كان المكتب الرئيسي في نيويورك يتحكم بالمكاتب الإقليمية تمام التحكم.

هذا وسوف يستمر نشطاء العالم المتقدم والدول الليبرالية وبلا شك في دفع الدول النامية لاستدامة مشاركتهم في جدول أعمال ليبرالي قانوني لحقوق الإنسان. وبدون هذه الدفعة، فمن المرجح أن العديد من المجتمعات النامية سوف تتباطأ أو تنحرف في اتجاهات ذاتية التحسس. ولكن سيكون هناك دفعة، وستتراوح الردود عليها في المجتمعات النامية ما بين اعتناقٍ بحماس إلى ردود أفعالٍ متقلبة.

إن البعض في الدول النامية مشتاقٌ لتبني لغة وأسلوب حقوق الإنسان لأنهم ضعفاء ومستغَلون. كما أن بعض الجماعات المستضعفة والأقليات الثقافية والنساء وطبقات المجتمع المضطهدة، وهم ممن لم يعتادوا سماع فكرة أنه ينبغي عليهم أن يكون لهم حقوقاً أفضل معربٌ عنها داخل مجتمعاتهم، من المتوقع أن ينجذبوا لفكرة أن المجتمعات الأكثر قوة ونجاحاً على الأرض قد تعبر عن القضايا العالمية المثيرة للجدل التي يمكن تطبيقها على محنتهم الخاصة. ففي الماضي، انجذب مثل هؤلاء إلى المسيحية أو الماركسية لنفس السبب: أن المسيحيين يقولون إننا لا يجب أن نقيد أرجلنا (يعنون حريتهم). الحمد لله!

والبعض الآخر يحدوه شغفٌ لتبني شعارات حقوق الإنسان وممارساتها لأنهم انتهازيون. فحتى منظمات حقوق الإنسان الشمالية تتبنى أولويات الممولين. وفي بعض المواقع في الجنوب، حيث تكون الفرص الاقتصادية ضئيلة خارج القطاع الحكومي، تكون لدى طبقات المجتمع الوسطى المتعلمة والتي هي خارج القطاع الحكومي دوافع قوية لإعادة تشكيل أنفسهم على هيئة منظمات "مجتمع مدني" غير حكومية.

وعادة فمثل هذه المنظمات، حتى الممول منها جيداً، تفتقد القدرة على التصرف بفاعلية في المجتمعات التي يتم تنظيمها لا حول أفكار سياسة غير شخصية، ولكن حول المحاباة والدين والانتماء العرقي والقبلي. وهذا يجعل من الصعب الاتصال مع قاعدة اجتماعية إلا عن طريق المحاباة أو من خلال الدفاع عن مجموعة الهوية الحالية، وهما مبدأين مناسبين لمنظماتٍ تتوافق توافقاً هزيلاً مع المفاهيم غير الشخصية وذات مذهب خلاصي. وكنتيجة لذلك، يكون لدى نشطاء "المجتمع المدني" الحافز لترجمة الحديث عن الحقوق إلى كلام عامي للناس الذين يرغبون في خدمتهم وتجنيدهم كمؤيدين لهم. وفي السياق الديني العامي، على سبيل المثال، يمكن تفسير الحقوق تفسيراً أفضل بوصفها واجبات. أحيانا، فتأتي الترجمة سلسة عندما يشرح رجل سنغالي صوفي بمنطق الخطاب الخاص بهم لماذا ختان الإناث أمرٌ خاطئ. [http://columbia.library.ingentaconnect.com/
content/cuny/cp/2012/00000044/00000004/art00002.]   ولكن عادةً ما يضل السبيل خلال الترجمة.

وفي مصر، على سبيل المثال، ظهرت حكومة مرسي في سياق الحديث عن الحقوق والقانون للحركة الشعبية التي أطاحت بنظام مبارك الاستبدادي. حيث تعتمد شرعيتها الدولية والمحلية إلى حد ما على نتائج الانتخابات الحرة النزيهة والادعاء بأنها الأقوى إجرائياً من القتلة الذين حلوا محلهم. ومع ذلك، فإن قاعدتها المحافظة التي تدعم الإسلام ترفض حرية الحديث عن الأمور الدينية، وتنفر الأقليات المسيحية والعلمانية، وتطالب بأن تجتاز صياغة الدستور لاختبارات دينية صارمة. وفي محاولاته لتمرير دستوره رغم المعارضات من جميع أركان الدولة، لجأ مرسي إلى إجراءات مختصرة ملتفة حول الاجراءات القانونية الواجبة.

وهذا أمرٌ سوف يصبح طبيعياً في القوى الناشئة، بما في ذلك أنظمة الإصلاح، والتي تهتم بالتملك على حساب حقوق الإنسان. وحتى تركيا التي خطت خطوات واسعة في التطور المدني، تشتهر باستخدامها للمحاكم في تكميم الأفواه ومعاقبة الصحفيين.

وعادةً ما تحيد الدول النامية التي تهتم حقاً بحقوق الإنسان عن الديموقراطيات المتقدمة في إعطاء الأولوية للحقوق الاقتصادية بدلاً من الحريات المدنية. حيث يرى أرييه نيير، مؤسس هيومان رايتس ووتش، في كتابه الحديث عن تاريخ حقوق الإنسان أن الحقوق الإقتصادية ليست حقوقا فعلية على الإطلاق؛ بل إنها متطلبات سياسية تُميّع من تجارية هذه الحقوق.

وحتى أكثر المنظمات غير الحكومية إخلاصاً في الدول الفقيرة، تفكر بشكل مختلف. حيث توثق شارين هيرتيل ما تسميه باستراتيجيات "الأبواب الخلفية" للمنظمات غير الحكومية في المكسيك والتي تحتاج إلى الصوت المسموع من هيومان رايتس ووتش للإعلان عن حملاتها، ولكنها على المستوى المحلي تستبدل لغة نيويورك السياسية والمدنية بلغة الحديث عن القضايا الاقتصادية في المكسيك. كما أوضحت كيف أن المنظمات غير الحكومية في بنغلاديش حاولت "عرقلة" منظمة العمل الدولية من إغلاق أسواق عمالة الأطفال، وفضلت بدلاً من ذلك الحفاظ على هذه العادة ولكن مع تنظيمها.

وفي حين أن هذه الاختلافات عن أولويات دول العالم المتقدمة قد تؤدي إلى تطوير الحقوق، إلاّ أن نظرة الاقتصاد الأولية لحقوق الانسان قد تذهب لأبعد من ذلك بكثير. فعلى الرغم من غياب الحقوق المدنية في الصين ومن وجود العنف الدموي في تيانانمين، فقد تمكن دنغ شياو بينغ من انتشال الكثيرين من الفقر وقلل من عمالة الأطفال أكثر من أي شخص آخر في التاريخ. وباللعب على هذه النجاحات، فإن النظام الصيني يصدر وبفخر  أبحاثاً عن حقوق الإنسان يوضح فيها خططه لتحسين حقوق الإنسان بتطوير الرعاية الطبية والتنمية الريفية وإنشاء المدارس الحكومية – ويخاطب شعبه قائلا – شعبي العزيز، أرجو ألا تتردد في قراءة التعليقات المائلة للوطنية في وسائل الإعلام الإخبارية الصينية الخاصة والتي تتصف بالحيوية والتنافسية، وأن تمارسوا حقكم في التظاهر ضد مقعد اليابان في مجلس الأمن. فهذا وجه آخر من وجوه تعميم الحديث عن الحقوق في القوى الناشئة.

وأحياناً، قد يضيع البعض أكثر من ذلك في ترجمة حديثه. فقد أعدت دانيال غولدستين عالمة الأنثروبولوجيا في مركز روتجرز تقريراً عن المواجهات بين الشرطة البوليفية وسكان الأحياء الفقيرة الذين يدعون بأن من "حقوقهم الإنسانية" قتل المجرمين الذين يهاجمونهم. وقد أجرت الباحثة في جامعة نيويورك، راتشيل واهل، لقاءً مع شرطة دلهي لتعرف أسباب تعذيبهم للمجرمين وعلمت أنهم يرون أنفسهم كحماة لحقوق الانسان للضحايا.

وفي جميع الأحوال، فإن تحديد حقوق الإنسان هو أمر من أمور السياسات المثيرة للجدل، حتى في القوى الناشئة، والتي قد تؤدي إلى نتائج لم يكن نشطاء حقوق الإنسان الدولية يهدفون إليها. فنشاط العدالة الدولية، على سبيل المثال، قد تفاعل بطرق معقدة مع العملية السياسية في كينيا. حيث أعطت عريضة اتهام المحكمة الجنائية الدولية  للرئيس اوهورو كينياتا  نقاط الحديث ضد التهديدات الإمبريالية للسيادة الكينية وللهوية الكيكويوة، مما ساعده في حشد الناخبين في حملته الانتخابية الناجحة. كما أن اتهام المحكمة الجنائية الدولية لمنافسه في الانتخابات، وليم روتو، المنحدر من نفس عرقه وهو الكالينجين، قد ساعد كينياتا على الحصول على أصوات حاسمة من أقلية الكالينجين الكبيرة، وذلك عندما أنهى كينياتا علاقته بخصمه الرئيسي روتو في محاولة لإظهار يده الطاهرة أمام نشطاء حقوق الإنسان في كينيا. ومن الغريب أن هذه الاتهامات كانت بشأن العنف بين الكيكويو والكالينجين في انتخابات عام 2007، وذلك قبل أن يتحولا إلى تحالفٍ انتهازي. ولم يكن كينياتا ولا روتو مكترثين بتهديد المحكمة الجنائية الدولية لهم بمحاكمتهم، بعد نجاح أنصارهما في إسكات الشهود. ومع ذلك، كان العنف العرقي في انتخابات 2013 أقل بكثير منه في الانتخابات السابقة لها، من جهة لأن إجراءات المحكمة الجنائية الدولية  قد حوّلت تسليط الضوء إلى السلوك الكيني مما جعل مليارديرات كينيا من السياسيين يقلقون من عواقب ذلك على سمعتهم  وذلك خوفاً على صفقاتهم التجارية الدولية.

وكما أوضح سامويل موين في كتابه "آخر مدينة فاضلة" أن رجال الدولة في البلاد التي تحررت من الاستعمار قد أدركوا إلى حد بعيد أن مفتاح الوصول إلى كلٍ من السلطة والحقوق يكمن أساساً في تطوير المؤسسات المدنية المحلية، وليس في الفكرة المثالية القائلة بأن السلطة والحقوق يمكن الحصول عليهم من خلال مجتمع دولي من النشطاء والمحامين. وبالفعل، فقد صمم ونفذ بيث سيمونز بحثاً إحصائياً أوضح فيه أن توقيع اتفاقيات حقوق الإنسان يُحدث اختلافاً في مخرجات الحقوق فقط في حالة إذا ما خطت الدولة بالفعل خطوات كبيرة في إنشاء نظام قضائي مستقل ووفرت مساحة من الحماية يتمكن من خلالها النشطاء المحليين من التنظيم.

ومن أجل إثبات وجودها في القوى الناشئة ودول العالم النامي، تحتاج حقوق الانسان إلى الانتقال خارج مقراتها في نيويورك ولندن وأن تبحث عن مُلاّك آخرين لها في المجتمعات التي تعتبر فيها الانتهاكات تحديات شديدة الخطورة.  فهؤلاء المُلاّك الجدد سيعبرون عن وجهة نظرهم الخاصة، وسوف تكون هذه العملية محفوفة بالسياسات والنتائج غير المرغوبة، لكنها في النهاية ستكون حقيقية وليست خيالية.

فإذا كانت الدول الليبرالية والنشطاء الحقوقيون مقدرٌ لهم لعب دور بناء في هذه العملية، فإنهم سيحتاجون إلى استخدام أسلوب أخف مما يستخدمونه الآن. فالعديد من تقارير حقوق الإنسان تركز بشدة على ما "يجب" أن تفعله العناصر الفاعلة في العالم النامي. بدلا من ذلك، سيكونون أكثر فعالية إذا ما ساعدوا في خلق بيئة يمكن فيها لهذه العناصر الفاعلة أن يكون لديها الحافز والقدرة على القيام طوعاً بما يريده منهم نشطاء الحقوق الليبرالية.

السلام والديمقراطية 

 

تظهر الأبحاث أن المؤشرين الأقوى إلى حدٍ بعيد لنتائج حقوق الإنسان الجيدة هما السلام والديمقراطية. فمن المحتمل أن  يتواجد التعزيز الديمقراطي السلمي عندما يُنشأ النظام الدولي بيئة صديقة للحالة الانتقالية. وتظهر الدراسات الإحصائية أن أفضل مؤشرات القرن التاسع عشر للتحول الديمقراطي كانت العوامل المحلية، بينما كانت هذه المؤشرات في العقود الأخيرة عوامل دولية. 

على الصعيد الأقليمي، يحتمل حدوث التعزيز السلمي عند حدوث التحول الديمقراطي في بيئة ديمقراطية بالفعل. أما على الصعيد الدولي، فقد ازدهرت ديمقراطيات جديدة بشكل أفضل في البيئة الدولية القاسية لما بعد الحرب العالمية الثانية في ظل وجود نظام بريتون وودز ومنظمة حلف شمال الأطلسي أكثر من ازدهارها في الحقبة المتزعزعة التي توسطت الحربين العالميتين في ظل وجود عصبة الأمم وخطة داوز. فمن المحتمل أن أحد أهم الإسهامات التي أدت إلى تطور الديمقراطيات كانت ترويج التعزيز السلمي للديمقراطيات الجديدة القائمة على احترام الحقوق على أنها الاستثمار في الاستقرار العام للأنظمة الاقتصادية والتجارية والأمنية الدولية التي تدير الأنظمة في الخفاء، وهو ما قد تستخدمه الدول الساعية لإعادة الإصلاح كلما اقتضت الحاجة إليه. وسقطت الأنظمة المتحررة في الفترة بين الحربين العالميتين لأن تلك الأسس ما كانت قد طبقت بعد، في حين نجوا في العقود الأخيرة لأنهم طبقوا تلك الأسس.

وفيما يعد نمطاً أكثر فاعلية، فإن طريقة السماح بالوصول المشروط إلى "سلع نادي" خاص بالديمقراطية التحررية قد أثبتت فعاليتها كأداة لترويج الديمقراطية. وخير مثال على ذلك هو شروط الاتحاد الأوربي للعضوية، حيث أن وسائل الاتحاد الأوربي الفطنة في تكييف الموافقة على الانضمام للاتحاد الأوروبي لكل من رومانيا وسلوفاكيا على تبني سياسات لضمان حقوق الأقلّيات، مدعومة بحكم القانون المقوّى، قد ساعدت هذه الوسائل على دعم جهود الائتلافات الديمقراطية لخلق الشروط المناسبة للانتقال.  والمثال الآخر هو اتفاقية الاتحاد الأوربي التجارية، كوتونوا، مع العديد من مستعمراتها السابقة والتي تكيّف المنافع على الالتزام المحقّق بمعايير حقوق الإنسان.

إن سياسات "الأبواب المفتوحة" تلك، ترسل إشارةً بأن مميزات العضوية في النادي التحرري متاحة للدول المستعدة للتحرر. مما يقوي من نفوذ العناصر التقدمية في الدول ممن يجادلون بأن التحرر يحدث إذا تم تجربته، وممن سيكتسبون مواردهم عبر اتباع هذا النهج. في نفس الوقت، فإن سياسة الأبواب المفتوحة على العكس من سياسة الأبواب الموصدة، تريح تقدميو الدول النامية من عبء ظهورهم كمطاردين لحوحين للإمبرياليين التحرّرين الجدد.

الأهم، أن سياسات الأبواب المفتوحة لا تعتمد على الفرضية البطولية بأن الأطراف الخارجية يمكنها التنبؤ بالعواقب السياسية من جراء إجبار المواطنين المحليين على إجراء الانتخابات أو توجيه اتهامات لمنتهكي الحقوق أو تفرض إصلاحات ثقافية جذرية. فإذا كانت الفرضيات وراء استراتيجيات الأبواب المفتوحة خاطئة، فلا فائدة من الحوافز، ولكن لن يحدث أي ضرر إضافي ويمكن للحوافز أن تظل كما هي لفترة لاحقة حتى تحين الفرصة لها (ماري أندرسن، لا تتسبب في الأضرار – كيف يمكن للمساعدة أن تدعم السلام – أو الحرب). فالتوقيت المناسب هو كل شيء في الإصلاح


جاك سنايدر (دكتوراه، كولومبيا، 1981) هو أستاذ في مركز روبرت ورينيه بيلفر للعلاقات الدولية في قسم العلوم السياسية ومعهد سالتزمان لدراسات الحرب والسلام في كولومبيا.

 
 


 

COMMENTS