هل يمكن لمنصة على الإنترنت أن تزيد من خضوع الدول للمحاسبة إزاء حقوق المرأة؟

فالمقاربات الكمّية مثل "مؤشر التشريعات الجندرية" الجديد قد تتيح بعض المزايا، مقارنة باستخدام المقاربات الكيفية كثيفة الاحتياج للموارد وحدها.




إن القوانين المحلية تخذل النساء في شتى أنحاء العالم، وهو الأمر الذي يصعب في العادة إثباته. لكن لنتخيل أداة على الإنترنت بها مجموعة من معايير حقوق المرأة الدولية التي يتعين على الدول الالتزام بها، مصحوبة بمقاييس مرجعية واضحة وملموسة، بمجالات قانونية بعينها، وطريقة لمقارنة التقدم المحرز تشريعياً عبر الدول وعلى مدار مختلف الفترات الزمنية. لنتخيل الفارق الذي يمكن أن يحدثه هذا الأمر فيما يتعلق بالتقارير المرفوعة إلى الهيئات الدولية المنشأة بموجب معاهدات، وكيف يمكن أن تساعد هذه الأداة في التعامل مع التأخر والمماطلة الحاليين بمنظومة المحاسبة على حقوق الإنسان الحالية. لنتخيل أن نفعل هذا عن بُعد، في الفترة التي شهدت إرجاء جائحة الكورونا العالمية للتعاملات مع هيئات رصد تنفيذ المعاهدات ومع إلغاء فعالية الدورة 64 للجنة وضع المرأة/بيجين+25 (2020).

إن مؤشر التشريعات الجندرية (Gender Legislative Index) يتيح هذه الإمكانية. إن المؤشر، الذي تم تحضيره في جامعة سيدني للتكنولوجيا، مُصمم بصفته نظام لتقييم القوانين من حيث استجابتها وتعاملها مع الاعتبارات الجندرية، أي لأي مدى تستجيب بشكل صريح وبشكل ضمني للقضايا الجندرية المختلفة. إن القوانين الملبية للاعتبارات الجندرية تسهل المحاسبة، في التشريع وفي تنفيذ السياسات، بما يتواءم مع احتياجات الأجناس المختلفة ومع مختلف الرؤى الجندرية حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحورية.

كيف يعمل مؤشر التشريعات الجندرية

يقيم المؤشر نصوص القوانين، بالاستعانة بفريق من خبراء التقييم. يجيب خبراء التقييم المستقلين على سبعة أسئلة متصلة بكل قانون. هذه الأسئلة تم اشتقاقها من تحليل تفصيلي لتوصيات لجنة سيداو العامة السبع وثلاثين. من خلال تلك الأسئلة، يقيم الخبراء على سبيل المثال ما إذا كان القانون يكفل توفر الخدمات بشكل غير تمييزي وبشكل متاح وسعر مقبول وصيغ توفر مقبولة، وما إذا كان القانون يكفل صناعة القرار المستنير دون إكراه ويحمي خصوصية المرأة، وما إذا كان القانون يعزز العلاقات المتساوية بين الرجال والنساء، وإذا كان القانون يكفل فرصة الاستعانة بخدمات منظومة العدالة.

وفيما يخص كل سؤال من الأسئلة، يضع المقيّمون القانون على مقياس يتراوح بين الرجعية الجندرية (أي سيئ للنساء) على جانب والاستجابة العالية الجندرية. يتكرر هذا الإجراء مرتين، مع قيام المقيمين بتقييم هذه الأسئلة السبعة من حيث النية المقصودة من القانون أولاً، وآثاره المرجحة ثانياً. يؤدي استخدام خريطة بصرية للتدريج ورسوم بيانية كيفية تصنيف المقيمين للقانون، ومستويات الاتفاق بين مختلف الخبراء ومتى ولماذا يختلفون عندما يحدث اختلاف.

كما تم إعداد خوارزميات حاسوبية، باستخدام تقنيات تعلم الآلة. يتم تقسيم البيانات ويتعلم النظام من مجموعة فرعية من البيانات، بهدف تقليل بعض التحيزات البشرية التي قد تكون قائمة لدى مختلف خبراء التقييم. يتعلم النظام الإلكتروني من اختيارات المقيمين لدى تصنيفهم لمختلف القوانين، ويقدم بناء على هذا التعلم تقييماً عاماً مُنشأ بالاستعانة بالخوارزميات للقانون، من درجة 1 (وتعني أن القانون به "عدم مراعاة تامة للمعايير الدولية") إلى درجة 5 (وتعني أن القانون "يفي بالمعايير الدولية").

كيف يمكن للمؤشر أن يؤدي إلى إعمال حقوق المرأة؟

تمت تجربة المؤشر على 97 قانوناً من سريلانكا وإندونيسيا والفلبين، عبر سبعة مجالات قانونية: تشريعات الصناعات الاستخراجية، والخدمات المالية، والعنف الجندري، والعمل، والصحة الإنجابية، والضرائب، وقوانين الأسرة.

إذن ماذا وجدنا فيما يتعلق بالتقدم المحرز في تفعيل قوانين صالحة للنساء؟ أولاً، تبين أن "قانون مكافحة العنف ضد المرأة" في الفلبين يعد مثالاً جيداً على المستوى العالمي، على الأٌقل من حيث نص القانون، أي على الورق. في الوقت نفسه، فإن القوانين الخاضعة للتقييم من قطاعات الصناعات الاستخراجية والتعدين في الفلبين وسريلانكا تبين أنها غير حساسة للاعتبارات الجندرية بالمرة. على سبيل المثال، تتقاعس هذه القوانين عن ضمان أن يتوفر للعاملات بالتعدين والمناجم القدرة على استخدام مرافق حساسة جندرياً بشكل كافي وملائم (مثال: المراحيض ومرافق الاغتسال) مع غياب التشاور الملائم والفعال مع الأطراف المعنية من النساء المتضررات من أعمال التعدين.

لقد تم إحراز تقدم على مسار الحساسية الجندرية لقوانين العمل. لكن تبقى هنالك ثغرات. على سبيل المثال، فإن قانون إندونيسيا بشأن قوة العمل الصادر في 2003 يمكن أن يُعدل بحيث يحظر صراحة العنف الجنسي. يمكن تحسينه من خلال المطالبة بجمع المعلومات المقسمة بحسب نوع الجنس لكي يتحسن فهم صناع السياسات لمدى تأثر النساء بالقانون ولأي مدى يستفدن منه. من خلال تقديم معايير مرجعية عالمية، مثل المعايير الواردة في اتفاقية منظمة العمل الدولية 2019 بشأن العنف والتحرش، يمكن للمؤشر أن يساعد في ضمان أن أية دعوات لتعديل هذه القوانين سيتم التعامل معها بشكل حساس للاعتبارات الجندرية.

كما يُظهر المؤشر مدى صعوبة أن تتحلى الدول بالاستعداد والقابلية لتفعيل قوانين حساسة للاعتبارات الجندرية في حين توجد فجوة في المعايير العالمية الكفيلة بتقديم النصح والمشورة في هذا الصدد. على سبيل المثال، بمجال القوانين الضريبية، يمكن أن تتمكن الدول من التصدي بشكل أكثر مباشرة لقضية رفع الضرائب عن المنتجات الصحية للنساء، لكن يمكن أن تستفيد قوانين الضرائب الحساسة جندرياً من وجود معايير مرجعية عالمية ذات صلة أعمق وأوضح.

تجاوز العقبات والقيود

من الواضح أن هناك حدوداً لما يمكن لأداة على الإنترنت أن تقدمه لإعمال المحاسبة على حقوق المرأة. هناك عدة أصوات معتبرة تماماً، مثل "سالي إنغيل ميري"، أشارت إلى القيود على المنهاج الكمّي: المشروعات المستندة إلى مؤشرات تخفق في إيلاء العناية الكافية للاختلافات الثقافية والاجتماعية. قد تكون التعريفات الخاصة بالمؤشرات ضعيفة، وتتم عادة دون مشاركة المتأثرين بما تقيسه، مع سهولة التلاعب بالبيانات التي تجمعها المؤشرات.

لكن كما حاججت مع جوزيه ميغيل بيلو-فيارينو، إذا كنا نريد المحاسبة – وبالطبع فنحن نريدها – فالمقاربات الكمّية قد تقدم عدة مزايا مقارنة باستخدام المقاربات الكيفية كثيفة الموارد وحدها. لكن في حالة مؤشرنا هذا، قام خبراء التقييم بمراجعة قوانين من دول معينة، بشكل متعمق، ولم يقتصر الأمر على كون المؤشر قياس لحقوق قانونية عامة.

هناك قيود أخرى تتحدى المؤشر. على سبيل المثال، فإن التصنيف الثنائي بصيغة "إما أو" الخاص بالنساء هو تصنيف مقتصر. لكن التركيز على "النساء" هنا لا يقصد إقصاء العابرات جنسياً مثلاً، أو أن يضم بشكل مهيمن جميع النساء ضمن فئة شاملة موحدة لا ترى الاختلافات الدقيقة، وكأن جميع النساء شيء واحد. إنما هو "فئة" توحد من تم إقصاؤهن في الماضي من هياكل السلطة وصناعة القرار.

إمكانات مؤشر التشريعات الجندري في الحاضر والمستقبل

ماذا يقدم المؤشر أيضاً خلاف المذكور؟ أولاً، في صيغته الحالية، فالمؤشر يمكن أن يستخدم في تقييم مدى مشاركة القيادات النسائية في صياغة التشريعات، بالنظر إلى التشريعات التي تم تفعيلها أثناء تولي نساء مناصب قيادة ذات صلة. قد يساعدنا هذا في تحسين فهمنا للفارق الذي تحدثه القيادات النسائية وصلة هذا بالمناصرة العالمية من أجل تمثيل أكثر مساواة للنساء بين قادة العالم. يمكن للمؤشر أن يفيدنا أيضاً في مقارنة القوانين المفعلة مؤخراً بالقوانين الأقدم، وقياس التقدم المحرز على مسار توطين وتفعيل حقوق المرأة. حتى بالنسبة إلى الدول غير الخاضعة للتقييم في هذه المرحلة التجريبية الحالية، فإن المعايير المرجعية عبر المجالات السبعة المذكورة تتيح الإرشاد للمشرعين حول كيفية صياغة قوانين حساسة جندرياً في المستقبل.

إن مجموعة الأسئلة السبعة التي يتم تقييم القوانين كلها قياساً إليها، قد تمنح أيضاً لجنة سيداو سبلاً جديدة لهيكلة أسئلتها للدول مع إتاحة الفرصة لأن تنظم الدول تقاريرها للهيئات التي ترصد تنفيذ المعاهدات بناء على تلك الأسئلة.

بعد النجاح الذي صادفه المؤشر، جار الآن التحضير لتوسيع نطاق المنصة الإلكترونية الخاصة به. الهدف على المدى المتوسط هو بلوغ 10 مجالات قانونية وتقييمها في 15 دولة، يتم اختيارها بناء على تنوعها الجغرافي والاقتصادي. قاعدة البيانات الجديدة هذه تسمح لنا بتقييم والتعرف على أفضل أداء من بين الدول الـ 15 المشمولة، سواء بشكل إجمالي أو فيما يتعلق بمجالات قانونية بعينها.

وبشكل مجمل، يقدم هذا المشروع دليلاً واضحاً على كيف يمكن للتكنولوجيا وهندسة البرمجيات وعلم البيانات أن تقترن معاً وتتضافر في تحسين المحاسبة إزاء حقوق المرأة.

 


شكر خاص

أتقدم بخالص الشكر إلى فريق "رابيدو سوشيال" من كلية الهندسة وتكنولوجيا المعلومات UTS ومركز المعلومات المتصلة في UTS على ما قدموه من تعاون في هذا المشروع. تم تمويل بحوث المشروع بموجب منحة المشروعات البحثية الصغيرة المقدمة من كلية القانون في UTS (دورة عام 2018) ومن منحة مكتب نائب عميد UTS الخاصة بالنتاجات البحثية وتعظيم المردود البحثي (2020).


 

 

ORIGINALLY PUBLISHED: May 7, 2020

رامونا فيجيراسا تعمل باحثة (بوست-دكتوراه) ملتحقة بجامعة سيدني للتكنولوجيا. هي مؤلفة كتاب "الجنس والعبودية والإتجار بالمرأة: أساطير ومفاهيم مغلوطة حول الإتجار وضحاياه" (2015)، فضلاً عن نشرها في أكثر من 20 مطبوعة أكاديمية، بما يشمل أوراق نُشرت في دورية جامعة نيويورك للقانون الدولي والسياسة، ودورية حقوق الإنسان، ودورية الجمعية الطبية الأمريكية.


 

COMMENTS